فوزي آل سيف
87
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
وسواء كان هذا أو ذاك فإنه ملفت للنظر، إذ كيف يتحدث النبي عن (طفل) بعمر سنتين أو ثلاث بكل تلك الأحاديث ويصفه بتلك الأوصاف؟ إن المقصود الأكبر من هذه الأوصاف والأحاديث هو تعيين خارطة طريق للأمة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فلا يوجد معنى مهم من تلك الأحاديث في زمانها الذي قيلت فيه، إذ مع وجود رسول الله صلى الله عليه وآله فكل الروافد تنتهي إليه، ولكن حيث ستتفرق السبل بعده احتاج الناس إلى أدلة وعلامات ونجوم يهتدى بها، فكانت هذه الروايات والأحاديث بمثابة من يخبر الناس عن الطريق المستقيم والواضح، فالحسين: (إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة خاتمهم قائمهم) وإذا كان أحد يبحث عن طريق الجنة فـ (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).[128] فالنبي صلى الله عليه وآله بحسب ظاهر الأمر يمدح ابنيه الحسنين عليهما السلام، بينما هو في الواقع كان يخاطب المستقبل، ويعين أئمة المستقبل وقادة الدين إذا توزعت الناسَ الآراءُ والاتجاهات، يعني: أيها الناس، إذا أدركتم الحسين وقد نهض بالإمامة، فهذا إمام، وأخوه قبله إمام. فيكون نص بهذا على الإمام الحسين، وهو أبو أئمة، فيكون أيضاً نص على الأئمة من ولد الإمام الحسين عليه السلام، وبالتالي فقد لا يكون هناك عمل فعليٌّ مطلوب من الناس أيام النبي، وإنما هو في صدد تعيين الإمامة للإمام الحسين عليه السلام وتمهيدها للمستقبل، أن: أيها الناس، هذا إمام، إن قام بالإمامة إمام، وإن قعد فهو إمام منصوص عليه. وقد ذكرنا في موضع آخر أن أحاديث المناقب والفضائل ليس الغرض منها توزيع أوسمة وشهادات مدح في هذه الدنيا ليتفاخر بها من يملكها على غيره! وإنما الغرض الأقصى منها غرض معرفي وديني عقدي، فهي من جهة تبين المراتب الخفية عن الناس وتكشف عن (أولياء الله) الخفيين بين عباده، ومن جهة أخرى فهي تلزم الناس باتباع هؤلاء إما باعتبارهم هم الأدلاء على الله من الأوصياء والناطقون عن أحكامه
--> 128 ) النيسابوري، الحاكم: المستدرك ٣ /١٦٧: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة (يعني عيسى ويحيى) قال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وانا أتعجب انهما لم يخرجاه.